الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
17
مختصر الامثل
على أساس الجمع والجماعة ، وعلى العبد أن يستشعر وجوده ضمن الجمع والجماعة ، حتّى حين يقف متضرّعاً بين يدي اللَّه ، فما بالك في المجالات الأخرى . وهذا الاتجاه في العبادة يعني رفض الإسلام لكل ألوان الفردية والإنعزال . الاستعانة به تعالى في كل الأمور : يواجه الإنسان في مسيرته التكاملية قوى مضادة داخلية ( في نفسه ) ، وخارجية ( في مجتمعه ) ، ويحتاج في مقاومة هذه القوى المضادة إلى العون والمساعدة ، ومن هنا يلزم على الإنسان عندما ينهض صباحاً أن يكرر عبارة « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » ليعترف بعبوديته للَّهسبحانه ، وليستمد العون منه في مسيرته الطويلة الشاقة ، وعندما يجنّ عليه الليل لا يستسلم للرقاد إلّابعد تكرار هذه العبارة أيضاً ، والإنسان المستعين حقّاً ، هو الذي تتضاءل أمام عينيه كل القوى المتجبّرة المتغطرسة ، وكل الجواذب المادية الخادعة ، وذلك ما لا يكون إلّاحينما يرتفع الإنسان إلى مستوى القول : « إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » « 1 » . السير على الصراط المستقيم : بعد أن يقّر الإنسان بالتسليم لربّ العالمين ، ويرتفع إلى مستوى العبودية للَّهوالإستعانة به تعالى ، يتقدم هذا العبد بأوّل طلب من بارئه ، وهو الهداية إلى الطريق المستقيم ، طريق الطّهر والخير ، طريق العدل والإحسان ، طريق الإيمان والعمل الصالح ، ليهبه اللَّه نعمة الهداية كما وهبه جميع النعم الأخرى . فالإنسان في هذه المرحلة مؤمن طبعاً وعارف بربّه ، لكنه معرّض دوماً بسبب العوامل المضادة إلى سلب هذه النعمة والانحراف عن الصراط المستقيم . ثمّة سؤال يتبادر إلى الإذهان عن سبب طلبنا من اللَّه الهداية إلى الصراط المستقيم ، تُرى هل نحن ضالون كي نحتاج إلى هذه الهداية ؟ وكيف يصدر مثل هذا الأمر عن المعصومين وهم نموذج الإنسان الكامل ؟ وفي الجواب نقول : أوّلًا : إنّ الإنسان معرض في كل لحظة إلى خطر التعثر والانحراف عن مسير الهداية ولهذا كان على الإنسان تفويض أمره إلى اللَّه ، والاستمداد منه في تثبيت قدمه
--> ( 1 ) سورة الأنعام / 162 .